ابن كثير

141

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 153 إلى 159 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 ) يقول تعالى مخبرا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة ربهم عز وجل أنهم قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ قال مجاهد وقتادة : يعنون من المسحورين . وروى أبو صالح عن ابن عباس مِنَ الْمُسَحَّرِينَ يعني من المخلوقين « 1 » ، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر [ الطويل ] : فإن تسألينا : فيم نحن ؟ فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحّر « 2 » يعني الذين لهم سحور ، والسحر هو الرئة . والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون : إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك ، ثم قالوا ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يعني فكيف أوحي إليك دوننا ؟ كما قالوا في الآية الأخرى أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [ البقرة : 25 - 26 ] ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم ، وقد اجتمع ملؤهم ، وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم - من صفتها كذا وكذا ، فعند ذلك أخذ عليهم نبي اللّه صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه ، فأعطوه ذلك ، فقام نبي اللّه صالح عليه السلام فصلى ، ثم دعا اللّه عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم ، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها ، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم . قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ يعني ترد ماءكم يوما ، ويوما تردونه أنتم وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فحذرهم نقمة اللّه إن أصابوها بسوء ، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر ، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى - وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا ، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم ، تمالئوا على قتلها وعقرها فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا ، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها ، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون ، وأصبحوا

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 468 . ( 2 ) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 56 ، ولسان العرب ( سحر ) ، وتهذيب اللغة 4 / 292 ، وديوان الأدب 2 / 353 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 511 ، ومقاييس اللغة 3 / 138 ، ومجمل اللغة 3 / 123 ، وكتاب العين 3 / 135 ، والمخصص 1 / 27 .